يحتل التعليم موقعًا أساسيًا في عمل الدولة، لأنه لا يرتبط فقط بتقديم خدمة عمومية للمواطنين، وإنما يتصل أيضًا بتكوين الأفراد وإعدادهم للحياة المهنية والاجتماعية والمشاركة في المجتمع. ولهذا فإن القرارات التي تتخذها الدولة في مجال التعليم لا تكون مجرد قرارات إدارية يومية، بل يمكن أن تشكل جزءًا من سياسة عمومية واسعة تمتد آثارها إلى سنوات طويلة.
وعندما نتحدث عن السياسة التعليمية فإننا لا نقصد قرارًا منفردًا يتعلق ببناء مدرسة أو تغيير مقرر دراسي، وإنما نقصد مجموعة من الاختيارات والأهداف والبرامج والإجراءات التي تعتمدها الدولة من أجل تنظيم التعليم ومعالجة المشكلات المرتبطة به وتحسين نتائجه. ومن هنا يصبح السؤال الأساسي هو: كيف تنتقل الدولة من ملاحظة مشكلة في النظام التعليمي إلى وضع سياسة تعليمية ثم تنفيذها وتقييم نتائجها؟
ما المقصود بالسياسة التعليمية؟
السياسة التعليمية هي مجموعة التوجهات والقرارات والبرامج التي تعتمدها السلطات العامة لتنظيم قطاع التعليم وتحقيق أهداف محددة خلال فترة معينة. وقد تشمل هذه السياسة جوانب متعددة، مثل توسيع الولوج إلى التعليم، تحسين جودة التعلمات، تطوير تكوين المدرسين، إصلاح المناهج، الحد من الهدر المدرسي، تحسين البنية التحتية، أو ربط التعليم بحاجات المجتمع وسوق العمل.
وبهذا المعنى، فإن السياسة التعليمية تمثل جزءًا من السياسات العمومية، لأنها تتضمن مشكلة عامة، وأهدافًا تسعى الدولة إلى تحقيقها، ووسائل وموارد لتنفيذ هذه الأهداف، ثم آليات لمتابعة النتائج وتقييمها.
وقد تكون السياسة التعليمية وطنية تشمل مختلف المناطق والفئات، وقد تتضمن برامج تستهدف مناطق أو فئات محددة. كما يمكن أن تتغير أولوياتها مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والتكنولوجية.
لماذا يعتبر التعليم مجالًا مهمًا للسياسات العمومية؟
يرتبط التعليم بمجموعة واسعة من القضايا العامة. فمستوى التعليم يمكن أن يؤثر في فرص الأفراد في سوق العمل، وفي قدرتهم على اكتساب المهارات، وفي الاندماج الاجتماعي، وفي إنتاج المعرفة والابتكار. ولذلك فإن الدولة لا تنظر إلى التعليم باعتباره قطاعًا منفصلًا عن باقي القطاعات، وإنما باعتباره مرتبطًا بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما أن التعليم يتميز بكون نتائجه لا تظهر دائمًا في المدى القصير. فقد يؤدي الاستثمار في تكوين المدرسين أو تطوير المناهج إلى نتائج تحتاج سنوات حتى تصبح واضحة. ولذلك تحتاج الدولة عند صياغة سياستها التعليمية إلى التفكير في الأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.
ومن جهة أخرى، فإن التعليم يمس عددًا كبيرًا من المواطنين بصورة مباشرة، سواء تعلق الأمر بالتلاميذ والطلبة أو الأسر والمدرسين والإداريين والمؤسسات التعليمية. وهذا يجعل أي تغيير في السياسة التعليمية موضوعًا يحتاج إلى دراسة دقيقة وتأطير مؤسساتي مناسب.
كيف تبدأ الدولة في صناعة السياسة التعليمية؟
لا تبدأ السياسة التعليمية عادة من الحل، وإنما تبدأ من تحديد المشكلة. فقد تلاحظ الدولة ارتفاع معدلات الانقطاع عن الدراسة، أو ضعف نتائج التلاميذ، أو وجود تفاوت بين المناطق، أو نقصًا في المدرسين، أو عدم ملاءمة بعض التخصصات مع حاجات سوق العمل.
وتحتاج الدولة في هذه المرحلة إلى جمع المعلومات والمعطيات من مصادر مختلفة حتى تتأكد من طبيعة المشكلة وحجمها وأسبابها. فوجود نسبة مرتفعة من الانقطاع المدرسي، مثلًا، لا يخبرنا وحده بسبب الظاهرة. وقد تكون الأسباب مرتبطة بالفقر أو ببعد المؤسسات التعليمية أو بجودة التعليم أو بظروف اجتماعية أخرى.
ولهذا فإن تشخيص المشكلة يمثل خطوة مهمة جدًا، لأن تحديد المشكلة بطريقة غير دقيقة قد يؤدي إلى اختيار حلول لا تعالج الأسباب الحقيقية.
من يحدد المشكلة التعليمية؟
لا تقوم جهة واحدة بالضرورة بتحديد المشكلات التي ينبغي أن تعالجها السياسة التعليمية. فقد تأتي المعلومات من وزارة التعليم والإدارات التابعة لها، أو من المؤسسات التعليمية والمدرسين، أو من نتائج الامتحانات والتقارير والإحصاءات، أو من الجامعات ومراكز البحث، أو من الأسر والمجتمع المدني، أو من النقاش العام.
كما يمكن للبرلمان والأحزاب السياسية والهيئات المهنية أن تساهم في طرح قضايا تعليمية على جدول الأعمال العام. وقد تتحول مشكلة كانت محدودة النقاش إلى أولوية سياسية عندما تصبح آثارها أكثر وضوحًا أو عندما يزداد الاهتمام المجتمعي بها.
وهكذا فإن تحديد المشكلة التعليمية هو في حد ذاته مرحلة من مراحل صناعة السياسة العمومية، لأنه يحدد إلى حد كبير القضايا التي ستحصل على اهتمام الدولة ومواردها.
تحديد أهداف السياسة التعليمية
بعد تشخيص المشكلة، تحتاج الدولة إلى تحديد ما الذي تريد تحقيقه. ولا يكفي أن يكون الهدف عامًا مثل "تحسين التعليم"، لأن مثل هذا التعبير لا يسمح بقياس النتائج بشكل واضح. لذلك تحتاج السياسة التعليمية إلى أهداف أكثر تحديدًا يمكن متابعتها وتقييمها.
فقد تحدد الدولة مثلًا هدفًا يتمثل في رفع مستوى اكتساب مهارات القراءة والحساب في مرحلة معينة، أو تقليص نسبة الانقطاع المدرسي، أو توسيع الاستفادة من التعليم في المناطق التي تعاني من نقص في المؤسسات، أو تحسين تكوين المدرسين.
ويساعد تحديد الأهداف بشكل واضح على ربط السياسة التعليمية بالموارد والبرامج. كما يسمح لاحقًا بمقارنة النتائج التي تم تحقيقها مع النتائج التي كانت الدولة تسعى إليها.
| المشكلة | الهدف المحتمل | مثال على التدخل |
|---|---|---|
| ارتفاع الانقطاع المدرسي | تقليص معدلات الانقطاع | برامج الدعم والمواكبة |
| ضعف بعض المهارات الأساسية | تحسين مستوى التعلمات | تطوير المناهج والتكوين |
| تفاوت الولوج إلى التعليم | توسيع تكافؤ فرص التعليم | تطوير البنية والخدمات التعليمية |
من يشارك في صناعة السياسة التعليمية؟
تشارك عدة مؤسسات وفاعلين في صياغة السياسة التعليمية، وإن كانت درجة تأثير كل طرف تختلف بحسب النظام السياسي والقانوني لكل دولة. وتحتل الحكومة ووزارة التعليم موقعًا مركزيًا، لأنهما تتوليان عادة إعداد التوجهات والبرامج وتنظيم القطاع وتنفيذ القرارات.
كما يمكن للبرلمان أن يؤدي دورًا من خلال التشريع والمناقشة والمراقبة، خصوصًا عندما تتطلب الإصلاحات التعليمية إصدار قوانين أو تخصيص اعتمادات مالية. وتشارك كذلك السلطات المحلية والمؤسسات التعليمية والمدرسون والجامعات والخبراء والأسر وممثلو المجتمع المدني في مراحل مختلفة من العملية.
ويكتسب إشراك الفاعلين أهمية خاصة لأن السياسة التعليمية تمس الواقع اليومي للمؤسسات التعليمية. فالقرار الذي يتم اتخاذه على المستوى المركزي قد يواجه أثناء التنفيذ ظروفًا مختلفة من منطقة إلى أخرى، ولذلك تساعد الخبرة الميدانية على معرفة كيفية تكييف السياسة مع الواقع.
دور الحكومة ووزارة التعليم
تتولى الحكومة عادة تحديد التوجهات العامة للسياسة التعليمية ضمن برنامجها وأولوياتها العامة، بينما تضطلع وزارة التعليم بدور أساسي في تحويل هذه التوجهات إلى خطط وبرامج وإجراءات قطاعية.
وتشمل مهام الوزارة عادة إعداد السياسات والبرامج، وتنظيم المؤسسات التعليمية، ووضع الأطر والمناهج وفق الاختصاصات المقررة قانونًا، وتدبير الموارد البشرية، وتتبع المؤسسات، وجمع المعطيات، والعمل على تنفيذ الإصلاحات المعتمدة.
لكن الوزارة لا تعمل بمعزل عن باقي مؤسسات الدولة. فتنفيذ سياسة تعليمية واسعة قد يحتاج إلى تعاون مع وزارة المالية من أجل التمويل، ومع قطاعات أخرى في المجالات المرتبطة بالصحة أو النقل أو الحماية الاجتماعية أو التكوين المهني، بحسب طبيعة السياسة.
اختيار الحلول والبدائل
بعد تحديد المشكلة والأهداف، تواجه الدولة سؤالًا آخر: ما الوسيلة الأكثر ملاءمة لتحقيق هذه الأهداف؟ وهنا تدخل السياسة التعليمية مرحلة اختيار البدائل. فقد تكون هناك عدة حلول ممكنة للمشكلة نفسها، وكل حل له تكلفة وآثار ومتطلبات مختلفة.
فإذا كان الهدف هو تقليص الانقطاع المدرسي، يمكن التفكير في أكثر من تدخل، مثل تقديم دعم اجتماعي للأسر، أو توفير النقل المدرسي، أو تحسين ظروف الإقامة، أو تطوير خدمات الإرشاد والمواكبة، أو الجمع بين عدة إجراءات في برنامج واحد.
ولا يتم اختيار البديل المناسب بناءً على الرغبة السياسية فقط، بل يحتاج إلى دراسة الموارد المتاحة والنتائج المتوقعة والإمكانات الإدارية والآثار المحتملة. وهنا يظهر دور الخبراء والإدارة والباحثين في توفير المعلومات التي تساعد صانع القرار على المقارنة بين البدائل.
تمويل السياسة التعليمية
لا يمكن تنفيذ سياسة تعليمية دون موارد مالية وبشرية ومؤسساتية. ولذلك يمثل التمويل جزءًا أساسيًا من عملية صناعة السياسة التعليمية. فبناء المؤسسات وتجهيزها، وتوظيف المدرسين، وتطوير التكوين، وإنتاج الموارد التعليمية، وتوفير الوسائل التكنولوجية، كلها تحتاج إلى ميزانية.
لكن حجم الميزانية وحده لا يكفي للحكم على السياسة التعليمية. فالمهم أيضًا هو كيفية توزيع الموارد واستخدامها ومدى ارتباطها بالأهداف المحددة. فقد تتوفر موارد مهمة، لكن ضعف التخطيط أو سوء التنسيق قد يؤدي إلى نتائج محدودة.
من القرار السياسي إلى التنفيذ
بعد اعتماد السياسة التعليمية تبدأ مرحلة التنفيذ، وهي المرحلة التي تنتقل فيها الأهداف العامة إلى برامج وإجراءات ملموسة. وهنا تظهر أهمية الإدارة التعليمية والمدرسين والمؤسسات المحلية، لأنهم يمثلون الحلقة التي تربط القرار المركزي بالواقع التعليمي اليومي.
وقد تتطلب السياسة الجديدة إصدار نصوص تنظيمية، وإعادة توزيع الموارد، وتكوين المدرسين، وتغيير بعض طرق العمل، وتوفير تجهيزات جديدة. ولذلك فإن نجاح الإصلاح لا يرتبط فقط بالإعلان عنه، بل بقدرة المؤسسات على تحويله إلى ممارسة فعلية داخل المدارس والجامعات ومختلف المؤسسات التعليمية.
وهذا يعني أن صناعة السياسة التعليمية لا تنتهي عند لحظة اتخاذ القرار، بل تستمر خلال التنفيذ والمتابعة والتقييم، لأن النتائج التي تظهر في الميدان يمكن أن تدفع الدولة إلى تعديل بعض عناصر السياسة أو إعادة توجيهها.
دور المدرسين والمؤسسات التعليمية في تنفيذ السياسة التعليمية
تمثل المؤسسات التعليمية المستوى الذي تظهر فيه السياسة التعليمية بصورة مباشرة. فالقرارات التي تصدر عن الحكومة والوزارة لا تصبح واقعًا إلا عندما تصل إلى المدرسة والقسم والمؤسسة التعليمية. ولهذا فإن المدرسين والإداريين والعاملين في المؤسسات التعليمية يشكلون عنصرًا أساسيًا في عملية التنفيذ.
فالمدرس لا يقوم فقط بتطبيق برنامج دراسي محدد، وإنما يتعامل يوميًا مع اختلاف مستويات المتعلمين وظروفهم واحتياجاتهم. ولذلك قد يحتاج إلى تكييف بعض طرق التدريس مع الواقع الذي يواجهه، في حدود القواعد والأطر التي تنظم عمله. وهذا يوضح أن نجاح السياسة التعليمية يتطلب إشراك الفاعلين الموجودين في الميدان وعدم النظر إلى التنفيذ باعتباره عملية آلية.
كما تلعب إدارة المؤسسة التعليمية دورًا مهمًا في تنظيم العمل الداخلي، وتوزيع المهام، وتتبع الحضور والنتائج، والتواصل مع الأسر، وتنفيذ البرامج المختلفة. وبالتالي فإن جودة التنفيذ تتأثر بدرجة كبيرة بقدرة المؤسسات المحلية على تحويل التوجهات العامة إلى ممارسات يومية.
كيف تتابع الدولة تنفيذ السياسة التعليمية؟
بعد إطلاق السياسة التعليمية، تحتاج الدولة إلى معرفة ما إذا كانت البرامج تسير وفق الأهداف المحددة. وهنا تأتي مرحلة المتابعة، التي تعتمد على جمع المعلومات بصورة مستمرة حول مستوى التنفيذ والموارد المستخدمة والنتائج الأولية.
وقد تشمل المتابعة عدد المؤسسات التي استفادت من برنامج معين، وعدد المدرسين الذين تلقوا تكوينًا، وعدد المتعلمين المستفيدين من خدمة معينة، ومعدلات الحضور والانقطاع، ومستوى تنفيذ الميزانية، وغيرها من المؤشرات التي تختلف بحسب طبيعة السياسة.
وتساعد هذه المعلومات المسؤولين على اكتشاف المشكلات في وقت مبكر. فإذا تبين مثلًا أن برنامجًا تعليميًا لم يصل إلى عدد كبير من المؤسسات المستهدفة، يمكن البحث عن سبب ذلك قبل انتظار نهاية البرنامج.
تقييم السياسة التعليمية
تختلف عملية التقييم عن المتابعة المستمرة، لأنها تهدف إلى معرفة ما إذا كانت السياسة قد حققت النتائج التي وضعت من أجلها، وما إذا كانت الموارد المستخدمة قد أدت إلى نتائج مناسبة، وما إذا كانت هناك آثار غير متوقعة.
وقد يتم تقييم السياسة التعليمية من خلال مقارنة النتائج المحققة بالأهداف الأصلية. فإذا كان الهدف هو تقليص الانقطاع المدرسي، يمكن دراسة تطور معدلات الانقطاع خلال فترة زمنية معينة. وإذا كان الهدف هو تحسين التعلمات، يمكن استخدام مجموعة من المؤشرات المتعلقة بمستوى اكتساب المهارات.
ولا ينبغي أن يقتصر التقييم على معرفة ما إذا كانت النتائج تحسنت أم لا، بل ينبغي كذلك البحث عن أسباب هذه النتائج. فقد تتحسن المؤشرات بسبب السياسة نفسها، أو نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى. لذلك يحتاج التقييم الجيد إلى بيانات ومنهجية تسمح بفهم العلاقة بين التدخل والنتائج.
مؤشرات قياس نجاح السياسة التعليمية
يمكن استخدام مجموعة متنوعة من المؤشرات لتقييم السياسة التعليمية، ولا يوجد مؤشر واحد قادر على التعبير عن جميع جوانب النظام التعليمي. ولهذا تجمع الدولة عادة بين مؤشرات تتعلق بالولوج إلى التعليم، وجودته، والموارد، والنتائج، والإنصاف.
| المجال | أمثلة على المؤشرات |
|---|---|
| الولوج | الالتحاق بالتعليم والحضور والاستفادة من المؤسسات |
| الجودة | مستوى التعلمات ونتائج التقييمات |
| الاستمرارية | معدلات الانتقال والانقطاع وإتمام الدراسة |
| الإنصاف | الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية |
| الموارد | الموارد المالية والبشرية والتجهيزات |
لماذا قد تفشل بعض السياسات التعليمية؟
لا توجد سياسة عمومية تضمن نتائجها بمجرد اعتمادها، والسياسات التعليمية ليست استثناءً من ذلك. فقد تكون هناك فجوة بين الأهداف المعلنة والموارد المتاحة، أو بين تصميم السياسة والواقع الذي يفترض أن تطبق فيه.
ومن أسباب ضعف التنفيذ أيضًا عدم إشراك الفاعلين الميدانيين بصورة كافية، أو ضعف التنسيق بين المؤسسات، أو نقص الموارد البشرية، أو غياب التكوين اللازم لتطبيق إصلاح جديد. كما يمكن أن تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية في النتائج.
وقد تكون المشكلة مرتبطة كذلك بتعدد الإصلاحات وتغيرها بسرعة، بحيث لا تحصل المؤسسات والمدرسون على الوقت الكافي لفهم الإصلاح الجديد وتطبيقه وتقييم نتائجه. لذلك فإن الاستقرار النسبي في التوجهات، إلى جانب القدرة على التعديل عند الحاجة، يمثل عنصرًا مهمًا في إدارة السياسات التعليمية.
مثال مبسط: سياسة للحد من الهدر المدرسي
يمكن توضيح دورة صناعة السياسة التعليمية من خلال مثال افتراضي يتعلق بارتفاع معدلات الانقطاع عن الدراسة في بعض المناطق. تبدأ الدولة بجمع البيانات وتحليل الظاهرة لمعرفة الفئات الأكثر تعرضًا للانقطاع والعوامل المرتبطة بها.
بعد ذلك تحدد هدفًا يتمثل في تقليص الانقطاع خلال فترة زمنية معينة، ثم تبحث عن مجموعة من البدائل. وقد تشمل هذه البدائل تحسين النقل المدرسي، وتقديم دعم اجتماعي، وتوفير خدمات للمواكبة، وتحسين ظروف المؤسسات التعليمية.
بعد اختيار مجموعة من التدخلات، يتم تخصيص الموارد وتحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ. ثم تبدأ المؤسسات التعليمية والإدارات المحلية في تطبيق البرامج. وفي أثناء ذلك تجمع الدولة البيانات المتعلقة بعدد المستفيدين ومستوى الحضور ومعدلات الانقطاع.
وفي مرحلة لاحقة يتم تقييم النتائج. فإذا انخفضت معدلات الانقطاع في المناطق المستهدفة، يمكن دراسة العوامل التي ساهمت في ذلك. وإذا لم تحقق السياسة النتائج المنتظرة، فقد تحتاج الدولة إلى تعديل بعض عناصرها أو إعادة النظر في الأسباب التي تم اعتمادها عند تصميمها.
العلاقة بين السياسة التعليمية وباقي السياسات العمومية
لا تعمل السياسة التعليمية بمعزل عن بقية السياسات العمومية. فالتعليم يتقاطع مع سياسات التشغيل والصحة والنقل والحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والثقافة وغيرها من المجالات.
فقد يؤثر النقل، مثلًا، في قدرة التلاميذ على الوصول إلى المؤسسات التعليمية، كما يمكن أن تؤثر الظروف الاقتصادية للأسر في الاستمرار في الدراسة. وقد تؤثر الصحة والتغذية في قدرة الأطفال على التعلم. ولهذا فإن معالجة بعض المشكلات التعليمية قد تحتاج إلى تدخلات تتجاوز وزارة التعليم وحدها.
وهنا تظهر أهمية التنسيق الحكومي، لأن السياسة التعليمية قد لا تحقق أهدافها إذا تم التعامل معها باعتبارها قضية قطاعية منفصلة عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يعمل فيها النظام التعليمي.
السياسة التعليمية بين المركز والمستوى المحلي
تختلف درجة المركزية في إدارة التعليم من دولة إلى أخرى. ففي بعض الأنظمة تتخذ السلطة المركزية معظم القرارات المتعلقة بالمناهج والموارد وتنظيم المؤسسات، بينما تمنح أنظمة أخرى سلطات أوسع للمستويات المحلية والمؤسسات التعليمية.
ولكل نموذج تحدياته. فالمركزية يمكن أن تساعد على توحيد بعض المعايير وضمان وجود إطار وطني مشترك، بينما قد تسمح اللامركزية بقدر أكبر من التكيف مع الاحتياجات المحلية. ولهذا تسعى بعض الأنظمة إلى الجمع بين وضع أهداف ومعايير عامة على المستوى الوطني ومنح المؤسسات المحلية مساحة لتنفيذها وفق ظروفها.
والأهم هو وجود وضوح في توزيع المسؤوليات، حتى لا تتحول اللامركزية إلى غموض في الاختصاصات أو تتحول المركزية إلى بطء في اتخاذ القرارات التي تحتاج إلى استجابة محلية.
أهمية إشراك المجتمع في السياسة التعليمية
تؤثر السياسة التعليمية في الأسر والمدرسين والمتعلمين والمجتمع بصورة مباشرة، ولذلك يمكن أن يساهم الحوار مع هذه الفئات في تحسين تصميم البرامج. ولا يعني ذلك أن كل طرف يملك الدور نفسه في اتخاذ القرار، وإنما يعني أن الاستماع إلى الخبرات المختلفة يمكن أن يوفر معلومات مهمة حول المشكلات والاحتياجات.
كما يمكن للجامعات ومراكز البحث أن تساهم بالدراسات والتحليلات، بينما يمكن للمجتمع المدني أن يقدم خبرة مرتبطة ببعض الفئات أو المناطق. ويساعد هذا التنوع في الحصول على صورة أكثر شمولًا للمشكلة التعليمية بدل الاعتماد على مصدر واحد للمعلومات.
من الإصلاح التعليمي إلى التعلم المؤسساتي
لا ينبغي النظر إلى السياسة التعليمية باعتبارها مشروعًا ينتهي بمجرد انتهاء البرنامج، لأن الدولة تستطيع الاستفادة من نتائج كل تجربة في تصميم السياسات اللاحقة. فإذا أظهر برنامج معين نتائج جيدة في منطقة محددة، يمكن دراسة إمكانية توسيعه، وإذا ظهرت مشكلات في برنامج آخر، يمكن تحليل أسبابها قبل تكرارها.
وهذا ما يجعل التقييم جزءًا من عملية التعلم المؤسساتي. فالدولة التي تجمع البيانات وتستخدمها في تعديل سياساتها تكون أكثر قدرة على تطوير تدخلاتها بمرور الوقت. أما إذا تم اعتماد السياسات بصورة متكررة دون تقييم للنتائج، فقد تستمر بعض المشكلات أو تتكرر الأخطاء نفسها.
خلاصة
صناعة السياسة التعليمية ليست قرارًا منفردًا تتخذه الحكومة، وإنما هي عملية متكاملة تبدأ بتحديد مشكلة تعليمية وتحليل أسبابها، ثم وضع أهداف واضحة، واختيار البدائل المناسبة، وتحديد الموارد والجهات المسؤولة، قبل الانتقال إلى التنفيذ والمتابعة والتقييم.
وتشارك في هذه العملية مؤسسات وفاعلون متعددون، في مقدمتهم الحكومة ووزارة التعليم والإدارة والمؤسسات التعليمية والمدرسون، إلى جانب البرلمان والسلطات المحلية والخبراء والجامعات والمجتمع المدني والأسر، بحسب طبيعة النظام السياسي والمؤسساتي.
وتكشف هذه العملية أن نجاح السياسة التعليمية لا يتوقف على جودة القرار السياسي وحده، بل يرتبط أيضًا بقدرة الإدارة والمؤسسات التعليمية على التنفيذ، وبمدى توفر الموارد، وجودة التنسيق، ووضوح الأهداف، واستمرار التقييم. كما أن النتائج التعليمية تحتاج إلى وقت حتى تظهر، الأمر الذي يجعل بناء السياسة التعليمية عملية مستمرة تتطلب المتابعة والتعلم والتعديل.
وفي النهاية، فإن الدولة عندما تصنع سياسة تعليمية لا تختار فقط مجموعة من البرامج الدراسية أو الإجراءات الإدارية، وإنما تحدد جزءًا من الطريقة التي ستستثمر بها في الإنسان والمعرفة والمهارات خلال السنوات المقبلة. ولهذا فإن السياسة التعليمية تمثل أحد المجالات التي يظهر فيها بوضوح كيف تتحول السياسات العمومية من أفكار وقرارات عامة إلى مؤسسات وبرامج وممارسات تؤثر في حياة المواطنين.