recent
أخبار ساخنة

من يشارك في صناعة السياسات العمومية؟ الدولة والبرلمان والجماعات والمجتمع المدني

لا تُصنع السياسات العمومية داخل مؤسسة واحدة، ولا تكون دائمًا نتيجة قرار منفرد تتخذه الحكومة. فالسياسة العمومية هي حصيلة عملية معقدة تتداخل فيها مؤسسات الدولة والبرلمان والجماعات الترابية والمجتمع المدني، إلى جانب الأحزاب السياسية والنقابات والخبراء والقطاع الخاص ووسائل الإعلام والمواطنين. ويختلف حجم تأثير كل فاعل بحسب طبيعة النظام السياسي، ونوع القضية المطروحة، والمرحلة التي وصلت إليها السياسة العمومية.

وتكمن أهمية دراسة هؤلاء الفاعلين في أن السياسة العمومية لا تبدأ عند لحظة اتخاذ القرار فقط، بل تبدأ قبل ذلك عندما تظهر مشكلة في المجتمع وتتحول إلى قضية تستدعي تدخل السلطات العامة، ثم تستمر أثناء صياغة الحلول واتخاذ القرار والتنفيذ والتقييم. وفي كل مرحلة يمكن أن يتدخل فاعلون مختلفون، بدرجات متفاوتة.

فمن يحدد المشكلة التي تستحق تدخل الدولة؟ ومن يضعها على جدول الأولويات؟ ومن يقترح الحلول؟ ومن يملك سلطة اعتمادها؟ ومن ينفذها؟ ومن يراقب نتائجها؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى فهم شبكة الفاعلين التي تشارك في صناعة السياسات العمومية.

ما المقصود بفاعلي السياسات العمومية؟

يقصد بفاعلي السياسات العمومية مختلف الأفراد والمؤسسات والتنظيمات التي تستطيع التأثير في مراحل إعداد السياسة العمومية أو اتخاذها أو تنفيذها أو تقييمها. ولا يشترط أن يمتلك الفاعل سلطة قانونية مباشرة حتى يكون مؤثرًا؛ فقد يكون تأثيره ناتجًا عن الخبرة أو القدرة على تعبئة المواطنين أو امتلاك المعلومات أو التأثير في النقاش العام.

ويمكن التمييز بصورة عامة بين الفاعلين الرسميين، مثل الحكومة والبرلمان والإدارة والجماعات الترابية، والفاعلين غير الرسميين، مثل منظمات المجتمع المدني والنقابات والخبراء ووسائل الإعلام وبعض جماعات المصالح والقطاع الخاص.

غير أن هذا الفصل لا يعني وجود حدود صارمة بين الطرفين. فالفاعلون الرسميون قد يتشاورون مع المجتمع المدني والخبراء، كما يمكن للمنظمات المدنية أن تقدم مقترحات للبرلمان والحكومة، ويمكن للباحثين والمؤسسات الاقتصادية أن يشاركوا في النقاش حول السياسات العامة.

الدولة: الفاعل المركزي في صناعة السياسات العمومية

تحتل الدولة موقعًا مركزيًا في صناعة السياسات العمومية لأنها تمتلك المؤسسات والموارد والاختصاصات القانونية التي تسمح لها بالتدخل في مختلف المجالات. وتشمل الدولة هنا مجموعة من المؤسسات، وليس الحكومة وحدها، إذ يمكن أن يشارك في السياسة العمومية الجهاز التنفيذي والإدارة والمؤسسات التشريعية والهيئات العامة، بحسب طبيعة النظام السياسي والدستوري.

وتتمثل إحدى الوظائف الأساسية للدولة في تحديد المشكلات التي تحتاج إلى تدخل عام، ووضع الأولويات، وتعبئة الموارد اللازمة لتنفيذ البرامج. فعندما تواجه الدولة مشكلة مثل البطالة أو ضعف الخدمات الصحية أو التلوث أو صعوبة الوصول إلى التعليم، فإنها تحتاج إلى تحديد طبيعة المشكلة وأسبابها ثم اختيار الأدوات المناسبة للتعامل معها.

وتؤدي الحكومة دورًا مهمًا في هذه العملية، لأنها تضع البرامج والسياسات التي تريد تنفيذها، وتقترح مشاريع القوانين عند الحاجة، وتحدد الأولويات القطاعية، وتشرف على الأجهزة الإدارية المكلفة بالتنفيذ.

لكن الحكومة لا تعمل في فراغ. فالقرارات الحكومية تتأثر بالإطار الدستوري والقانوني، وبالموارد المتاحة، وبالنقاش البرلماني، وبالمطالب الاجتماعية، وبالظروف الاقتصادية، وبقدرة الإدارة على التنفيذ.

الإدارة العمومية ودورها في صناعة السياسة

قد يبدو أن الإدارة العمومية مجرد جهاز ينفذ ما تقرره الحكومة، إلا أن دورها في الواقع أوسع من ذلك. فالإدارة تمتلك قدرًا كبيرًا من الخبرة الفنية والمعلومات المتعلقة بالقطاعات التي تديرها، ولذلك يمكن أن تشارك في تحديد المشكلات واقتراح البدائل وتقدير الموارد المطلوبة.

فعندما تريد الحكومة إصلاح قطاع معين، تحتاج إلى معلومات دقيقة حول وضع القطاع، وعدد المستفيدين، والتكاليف، والموارد البشرية، والإكراهات القانونية والمؤسساتية. وتوجد هذه المعلومات غالبًا لدى الإدارات والمؤسسات المتخصصة.

كما أن الإدارة هي التي تحول جزءًا كبيرًا من القرارات السياسية إلى إجراءات عملية. ولهذا فإن جودة السياسة العمومية لا ترتبط فقط بصياغة القرار، وإنما أيضًا بقدرة الجهاز الإداري على تنفيذه بطريقة منسقة وفعالة.

البرلمان: التشريع والرقابة والمساهمة في النقاش العام

يعد البرلمان أحد الفاعلين الأساسيين في صناعة السياسات العمومية، خصوصًا في الأنظمة التي تمنحه اختصاصات تشريعية ورقابية ومالية. ولا يقتصر دوره على التصويت على القوانين، بل يمكن أن يساهم في مناقشة المشكلات العامة ومراجعة الخيارات التي تقترحها الحكومة.

فعندما تتطلب سياسة عمومية جديدة إصدار قانون أو تعديل قانون قائم، يدخل البرلمان في صلب العملية من خلال دراسة المشروع ومناقشته والتصويت عليه وفق الإجراءات الدستورية والقانونية المعمول بها.

كما ترتبط السياسات العمومية ارتباطًا وثيقًا بالميزانية العامة. فتنفيذ العديد من البرامج يحتاج إلى موارد مالية، وبالتالي فإن مناقشة الميزانية والمصادقة عليها تشكل جزءًا مهمًا من عملية تحديد الأولويات العامة.

ويمارس البرلمان أيضًا وظيفة الرقابة. فمن خلال الأسئلة البرلمانية واللجان وآليات الرقابة المختلفة، يستطيع النواب وأعضاء المجلس التشريعي مساءلة الحكومة حول تنفيذ السياسات والبرامج العامة، وطلب توضيحات بشأن النتائج أو الصعوبات التي ظهرت أثناء التطبيق.

الجماعات الترابية والسياسات العمومية المحلية

لا تُصنع جميع السياسات العمومية على المستوى الوطني. فهناك سياسات ذات طبيعة محلية ترتبط بالخدمات والمرافق والحاجات اليومية للسكان، وهنا يظهر دور الجماعات الترابية باعتبارها فاعلًا مهمًا في صناعة وتنفيذ السياسات العمومية المحلية.

وتختلف اختصاصات الجماعات الترابية من دولة إلى أخرى بحسب النظام الدستوري والقانوني، لكن اللامركزية تهدف عمومًا إلى تقريب تدبير بعض الشؤون العامة من السكان، ومنح الهيئات المحلية صلاحيات وموارد تمكنها من التعامل مع القضايا المرتبطة بمجالاتها.

ويمكن أن تشمل السياسات المحلية مجالات مثل النقل الحضري، والتدبير المحلي للنفايات، وبعض البنيات والخدمات العمومية، والتنمية المحلية، والتهيئة، وغيرها من المجالات التي تدخل ضمن الاختصاصات المحددة قانونًا.

وتتميز الجماعات الترابية بكونها أقرب إلى المواطنين من المؤسسات المركزية، وهو ما يمكن أن يسمح لها بالتعرف بصورة مباشرة على بعض المشكلات المحلية. لكن فعالية هذا الدور ترتبط بوضوح الاختصاصات وتوفر الموارد والقدرات البشرية والإدارية وآليات التنسيق مع الدولة.

المجتمع المدني: من التعبير عن المطالب إلى المشاركة في السياسات

يشكل المجتمع المدني أحد الفاعلين غير الرسميين في صناعة السياسات العمومية. ويشمل هذا المجال عددًا كبيرًا من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والهيئات المدنية التي تعمل في مجالات مختلفة، مثل حقوق الإنسان والبيئة والتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية.

وقد يبدأ دور المجتمع المدني قبل وصول القضية إلى المؤسسات الرسمية. فالجمعيات يمكن أن تلفت الانتباه إلى مشكلة معينة، وتنظم حملات توعية، وتقدم تقارير ودراسات، وتدافع عن مصالح فئات اجتماعية محددة، وتقترح حلولًا على السلطات العامة.

كما يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تساهم في تنفيذ بعض البرامج، خصوصًا عندما تكون لها خبرة ميدانية أو قدرة على الوصول إلى فئات يصعب على الإدارة الوصول إليها بسهولة.

ولا يتوقف دور المجتمع المدني عند التنفيذ، إذ يمكنه أيضًا مراقبة السياسات العمومية وتقييم آثارها من خلال التقارير والدراسات والبيانات الميدانية، وطرح الأسئلة حول مدى وصول البرامج إلى الفئات المستهدفة.

الفاعل أبرز مجالات المشاركة
الحكومة تحديد الأولويات، اقتراح السياسات، اتخاذ القرارات والإشراف على التنفيذ
الإدارة الخبرة، توفير المعلومات، تنفيذ البرامج ومتابعتها
البرلمان التشريع، مناقشة السياسات، الميزانية والرقابة
الجماعات الترابية إعداد وتنفيذ السياسات والبرامج ذات الطابع المحلي
المجتمع المدني الترافع، المشاركة، تقديم المقترحات، المتابعة والتقييم

العلاقة بين الفاعلين ليست دائمًا متساوية

رغم تعدد المشاركين في صناعة السياسات العمومية، فإن تأثيرهم ليس متساويًا في جميع الحالات. فالدولة تمتلك أدوات قانونية ومالية وإدارية لا يمتلكها معظم الفاعلين الآخرين، بينما يمكن للبرلمان أن يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية، ويمكن للمجتمع المدني أن يمتلك قدرة أكبر على التعبئة والترافع في بعض القضايا.

كما تختلف درجة تأثير الفاعل بحسب المرحلة. فقد يكون المجتمع المدني أكثر حضورًا عند طرح المشكلة على النقاش العام، بينما تكون الإدارة أكثر حضورًا أثناء التنفيذ، ويكون البرلمان أكثر أهمية عندما تحتاج السياسة إلى تشريع أو عندما يتعلق الأمر بالرقابة على الحكومة.

وهكذا فإن صناعة السياسة العمومية يمكن فهمها باعتبارها عملية تفاعل بين مجموعة من المؤسسات والفاعلين، لكل منهم موارد وأدوات وأدوار مختلفة.

في الكود الثاني سننتقل إلى دور الأحزاب السياسية والنقابات والخبراء والقطاع الخاص ووسائل الإعلام والمواطنين، ثم نوضح كيف يتفاعل جميع هؤلاء الفاعلين في مختلف مراحل دورة السياسة العمومية، من تحديد المشكلة إلى التنفيذ والتقييم، مع مثال تطبيقي يوضح هذه العلاقة.

الأحزاب السياسية ودورها في صناعة السياسات العمومية

لا تقتصر صناعة السياسات العمومية على مؤسسات الدولة وحدها، فالأحزاب السياسية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تحديد القضايا التي ينبغي أن تحظى باهتمام السلطات العامة، وفي تقديم تصورات وبرامج بديلة حول كيفية معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. ويظهر هذا الدور بصورة خاصة في الأنظمة التي تقوم على التنافس الانتخابي، حيث تقدم الأحزاب برامجها للناخبين وتسعى إلى تحويل جزء منها إلى سياسات عمومية عندما تصل إلى مواقع المسؤولية.

وتساهم الأحزاب كذلك في تجميع المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى مقترحات سياسية. فقد تظهر داخل المجتمع مطالب مرتبطة بالتعليم أو الصحة أو التشغيل أو الضرائب أو البيئة، وتعمل الأحزاب على إدخال هذه القضايا إلى النقاش السياسي وصياغتها في شكل برامج ومواقف يمكن مناقشتها داخل المؤسسات.

ولا يعني ذلك أن الحزب السياسي يفرض دائمًا السياسة التي يقترحها، لأن تحويل البرنامج إلى سياسة عمومية فعلية يتوقف على مجموعة من العوامل، منها موقع الحزب داخل المؤسسات، والائتلافات السياسية، والموارد المتاحة، والإطار القانوني، وقدرة الدولة على التنفيذ.

النقابات وجماعات المصالح

تشارك النقابات في صناعة السياسات العمومية خصوصًا في القضايا التي ترتبط بالعمل والأجور والحماية الاجتماعية والتشغيل وظروف ممارسة المهن. وتمتلك النقابات معرفة مباشرة بأوضاع الفئات التي تمثلها، ولذلك يمكن أن تقدم مطالب ومقترحات إلى الحكومة والبرلمان والمؤسسات المختصة.

وقد يتم هذا التأثير من خلال الحوار الاجتماعي أو تقديم المذكرات والمقترحات أو المشاركة في اللجان والهيئات الاستشارية أو تنظيم أنشطة احتجاجية عندما ترى النقابات أن سياسة معينة تمس مصالح الفئات التي تمثلها.

كما توجد جماعات مصالح مختلفة يمكن أن تسعى إلى التأثير في السياسات العمومية، مثل الهيئات المهنية والمنظمات الاقتصادية وبعض المؤسسات والقطاعات الإنتاجية. ويختلف تأثير هذه الجماعات بحسب طبيعة النظام السياسي والقانوني ودرجة تنظيمها وقدرتها على تقديم المعلومات والترافع.

الخبراء والجامعات ومراكز البحث

تحتاج صناعة السياسات العمومية إلى المعرفة والمعلومات، ولذلك يؤدي الخبراء والباحثون والجامعات ومراكز الدراسات دورًا مهمًا في بعض مراحل العملية. فالمشكلة العامة قد تكون معقدة إلى درجة تجعل اتخاذ القرار دون معلومات وتحليل علمي أمرًا صعبًا.

ويمكن للباحثين أن يساهموا في تشخيص المشكلات، وتحليل أسبابها، وتقديم البيانات، ودراسة البدائل المتاحة، وتقييم النتائج. كما يمكن أن تساعد الدراسات الأكاديمية على الكشف عن الآثار المحتملة لسياسة معينة قبل اعتمادها.

ولا تعني الاستعانة بالخبراء أن القرار يصبح قرارًا تقنيًا بحتًا، لأن اختيار السياسة يرتبط أيضًا بالأولويات والقيم والموارد والاختيارات السياسية. لكن المعرفة العلمية يمكن أن تساعد صانع القرار على فهم الخيارات المتاحة والنتائج المحتملة لكل خيار.

القطاع الخاص ودوره في السياسات العمومية

يمكن للقطاع الخاص أن يكون فاعلًا في صناعة السياسات العمومية، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والصناعية. فالحكومة عند وضع سياسة اقتصادية أو ضريبية أو استثمارية تحتاج إلى معرفة انعكاساتها على المؤسسات والأسواق والعمال والمستهلكين.

وقد تشارك المؤسسات والاتحادات المهنية في تقديم ملاحظات ومقترحات أثناء إعداد بعض السياسات، كما يمكن أن تشارك شركات خاصة في تنفيذ بعض البرامج أو تقديم خدمات في إطار الأطر القانونية المعمول بها.

ومع ذلك، فإن مشاركة القطاع الخاص لا تعني أن مصالحه تتطابق بالضرورة مع المصلحة العامة في جميع الحالات. ولذلك تحتاج السياسات العمومية إلى أطر قانونية ومؤسساتية واضحة تنظم العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، وتحدد المسؤوليات والالتزامات.

وسائل الإعلام وصناعة الأجندة العامة

تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًا في تحديد القضايا التي تحظى باهتمام الجمهور والمؤسسات. فمن خلال الأخبار والتحقيقات والبرامج والنقاشات، يمكن للإعلام أن يسلط الضوء على مشكلة معينة ويجعلها موضوعًا للنقاش العام.

وتظهر أهمية الإعلام خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا لا تكون واضحة لجميع المواطنين أو عندما توجد حاجة إلى تقديم معلومات حول نتائج سياسة معينة. كما يمكن للصحافة الاستقصائية أن تكشف مشكلات في تنفيذ بعض البرامج، وهو ما قد يدفع المؤسسات إلى فتح تحقيقات أو مراجعة بعض الإجراءات.

لكن تأثير الإعلام لا يعني أنه يملك سلطة قانونية مباشرة لصنع السياسة. فدوره يرتبط أساسًا بتشكيل النقاش العام ونقل المعلومات وإبراز القضايا، بينما تظل القرارات الرسمية من اختصاص المؤسسات المخولة قانونًا.

المواطنون كفاعل في صناعة السياسات العمومية

لا ينبغي النظر إلى المواطن باعتباره مجرد مستفيد من السياسة العمومية، لأنه يمكن أن يكون أيضًا مصدرًا للمطالب والمعلومات والملاحظات المتعلقة بالسياسات العامة. فالمواطنون يعيشون بصورة مباشرة آثار القرارات المتعلقة بالنقل والتعليم والصحة والإدارة والخدمات وغيرها.

وتختلف وسائل مشاركة المواطنين بحسب النظام السياسي والإطار القانوني، فقد تكون من خلال الانتخابات، أو الاستشارات العمومية، أو العرائض، أو المجالس والهيئات التشاركية، أو الجمعيات، أو النقاشات العمومية، أو وسائل التواصل المختلفة.

وتكتسب مشاركة المواطنين أهمية خاصة في مرحلة تقييم السياسات، لأن المؤشرات الإدارية قد لا تكشف وحدها جميع المشكلات التي يواجهها المستفيدون. فقد تكون الخدمة متاحة من الناحية الرسمية، لكن طريقة تقديمها قد تخلق صعوبات لا تظهر في الإحصاءات العامة.

كيف يتفاعل الفاعلون داخل دورة السياسة العمومية؟

يمكن فهم تفاعل الفاعلين من خلال مراحل دورة السياسة العمومية. ففي مرحلة تحديد المشكلة، يمكن أن يكون المواطنون والمجتمع المدني والإعلام والخبراء من أبرز الأطراف التي تلفت الانتباه إلى قضية معينة. وبعد انتقال القضية إلى الأجندة العامة، تبدأ المؤسسات الحكومية والبرلمان والإدارات في دراستها، بينما يمكن للخبراء والمنظمات المختلفة تقديم المقترحات.

وفي مرحلة صياغة البدائل، تصبح الخبرة التقنية والمعلومات الإدارية أكثر أهمية، إلى جانب النقاش السياسي حول الحلول الممكنة. ثم تأتي مرحلة اتخاذ القرار، حيث تتحمل المؤسسات المختصة المسؤولية القانونية والسياسية عن اعتماد السياسة.

أما أثناء التنفيذ، فتظهر أهمية الإدارة العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات المكلفة بتقديم الخدمات، وقد يشارك المجتمع المدني والقطاع الخاص في بعض البرامج وفقًا للأطر القانونية المعتمدة.

ثم تأتي مرحلة التقييم، حيث يمكن أن تتدخل أجهزة الرقابة والبرلمان والباحثون والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمواطنون لتقديم معلومات حول النتائج والآثار.

مرحلة السياسة العمومية أبرز الفاعلين المشاركين
تحديد المشكلة المواطنون، المجتمع المدني، الإعلام، الخبراء، المؤسسات العامة
وضع الأجندة الحكومة، الأحزاب، البرلمان، الإعلام، المجتمع المدني
صياغة البدائل الحكومة، الإدارة، الخبراء، البرلمان، الفاعلون الاجتماعيون والاقتصاديون
اتخاذ القرار المؤسسات المختصة دستوريًا وقانونيًا
التنفيذ الإدارة، الجماعات الترابية، المؤسسات والجهات المنفذة
التقييم البرلمان، أجهزة الرقابة، الخبراء، المجتمع المدني، المواطنون

مثال تطبيقي: صناعة سياسة عمومية في مجال النقل

يمكن توضيح تفاعل مختلف الفاعلين من خلال مشكلة النقل الحضري. فإذا كان المواطنون يعانون من ضعف وسائل النقل أو ارتفاع مدة التنقل، فقد تبدأ القضية من شكاوى المواطنين أو تقارير المجتمع المدني أو التغطية الإعلامية أو الدراسات المتخصصة.

بعد ذلك يمكن أن تنتقل المشكلة إلى أجندة الحكومة أو الجماعات الترابية، فتبدأ المؤسسات المختصة بجمع البيانات ودراسة أسباب المشكلة. وقد يقدم الخبراء دراسات حول حركة المرور والطلب على النقل، بينما تقدم الشركات والهيئات المهنية معلومات مرتبطة بالتكاليف والقدرات التشغيلية.

بعد دراسة البدائل، قد يتم اختيار برنامج لتطوير النقل العمومي. وإذا تطلب البرنامج اعتمادًا ماليًا أو إطارًا تشريعيًا، يدخل البرلمان والمؤسسات المختصة في العملية وفقًا لاختصاصاتها. ثم تبدأ مرحلة التنفيذ، التي يمكن أن تشارك فيها الإدارة والجماعات الترابية والجهات المكلفة بالنقل.

وبعد فترة من التنفيذ، يمكن تقييم السياسة من خلال مؤشرات مثل عدد المستفيدين، ومدة التنقل، وجودة الخدمة، والتكلفة، ومدى وصول الخدمة إلى المناطق المستهدفة. ويمكن للمواطنين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام أن يقدموا بدورهم ملاحظات حول النتائج.

ويبين هذا المثال أن السياسة العمومية ليست عملًا منعزلًا لمؤسسة واحدة، بل عملية تتوزع فيها الأدوار بحسب طبيعة كل مرحلة.

أهمية التنسيق بين الفاعلين

تعدد الفاعلين لا يؤدي بالضرورة إلى سياسة عمومية أفضل بصورة تلقائية، لأن تعدد المؤسسات والمصالح يمكن أن يؤدي أيضًا إلى ضعف التنسيق أو تضارب الاختصاصات. ولذلك تحتاج صناعة السياسات العمومية إلى تحديد واضح للمسؤوليات وآليات للتواصل وتبادل المعلومات.

فإذا كانت الحكومة تضع الأهداف، والإدارة تنفذ، والجماعات الترابية تدير بعض البرامج المحلية، والبرلمان يمارس الرقابة، والمجتمع المدني يشارك في التقييم، فإن غياب التنسيق قد يؤدي إلى تكرار الجهود أو تضاربها.

ولهذا أصبحت الحكامة والتنسيق والتشاور من المفاهيم المرتبطة بدراسة السياسات العمومية الحديثة. والمقصود هنا ليس إلغاء أدوار المؤسسات الرسمية، وإنما إيجاد آليات تسمح بتبادل المعلومات وتوضيح المسؤوليات والاستفادة من الخبرات المختلفة.

خاتمة

تكشف دراسة الفاعلين المشاركين في صناعة السياسات العمومية أن الدولة تظل الفاعل المركزي بحكم ما تمتلكه من سلطات قانونية وموارد ومؤسسات، لكنها لا تعمل وحدها. فالبرلمان يساهم في التشريع والرقابة، والجماعات الترابية تشارك في تدبير القضايا المحلية، والإدارة توفر الخبرة وتنفذ البرامج، بينما يستطيع المجتمع المدني والمواطنون والأحزاب والنقابات والخبراء ووسائل الإعلام والقطاع الخاص التأثير بدرجات مختلفة في تحديد المشكلات وصياغة المقترحات ومتابعة النتائج.

وبالتالي، فإن فهم السياسة العمومية يتطلب تجاوز التصور الذي يجعلها مجرد قرار صادر عن الحكومة. إنها عملية متعددة الفاعلين، تتغير فيها أدوار المشاركين بحسب المرحلة والموضوع والنظام السياسي والإطار القانوني. وكلما كانت العلاقة بين هؤلاء الفاعلين أكثر وضوحًا وتنظيمًا، أصبح من الممكن توفير معلومات أفضل وتحديد المسؤوليات بصورة أدق ومتابعة نتائج السياسات بشكل أكثر انتظامًا.

وفي النهاية، فإن السؤال حول من يصنع السياسة العمومية؟ لا يمكن الإجابة عنه باسم مؤسسة واحدة. فصناعة السياسة تبدأ من المجتمع ومشكلاته ومطالبه، وتمر عبر المؤسسات السياسية والإدارية، وتتأثر بالخبرة والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، ثم تعود نتائجها إلى المجتمع الذي يستفيد منها أو يتأثر بها ويشارك في تقييمها.

google-playkhamsatmostaqltradentX